ارتفاع معدلات البطالة يفاقم حالة اليأس إزاء مستقبل سوق الشغل في تونس

SputnikNews 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

صابرين (36 سنة)، واحدة من مئات التونسيين الذين تبخرت أحلامهم في دخول سوق الشغل في مجال اختصاصها وضمان عمل يؤمن لها ولعائلتها مستقبلا أفضل ويترجم جهد 18 سنة قضتهم في مقاعد الدراسة.

وعود زائفة

ختمت صابرين تعليمها الجامعي في اختصاص إعلامية التصرّف منذ ما يزيد على العشر سنوات، تقول لـ "سبوتنيك": إنها "قضّتها بين البقاء في المنزل أو العمل بين أروقة المقاهي والمطاعم والمحلات التجارية بعد أن نفد أملها في الالتحاق بعمل في مجال اختصاصها".

تضيف: "قبلت في الكثير من المرات بالعمل في مهن أقل بكثير من تحصيلي العلمي وبأجر زهيد ودون تغطية اجتماعية حتى لا أبقى عالة على أسرتي التي تعاني الفقر والتهميش".

وترى صابرين أن جميع الحكومات التي تعاقبت على الثورة تتقاسم الوعود الزائفة بالتشغيل وضمان مستقبل أفضل للشباب، معتبرة أن الشباب العاطل عن العمل تحول إلى سلاح يستخدمه السياسيون في حملاتهم الانتخابية لتجميع أكبر عدد ممكن من أصوات الناخبين.

ومثل كثير من الشباب التونسي، لا تحمل صابرين أملا في تحسن مستقبل سوق الشغل، خاصة في ظل الوضع الاقتصادي الراهن الذي أضيف له توتر الوضع السياسي وحالة الضبابية التي تعيشها البلاد منذ اتخاذ الرئيس قيس سعيد اجراءات استثنائية في 25 يوليو تضمنت تعليق عمل البرلمان، وهو ما جعل مصير القانون عدد 38 المتعلق بانتداب العاطلين عن العمل من أصحاب الشهادات العليا مجهولا.

ارتفاع في معدلات البطالة

حالة التشاؤم هذه، أكدتها الأرقام الرسمية الصادرة حديثا عن المعهد الوطني التونسي للإحصاء الذي كشف عن ارتفاع معدلات البطالة خلال الربع الثالث من سنة 2021 إلى 18.4%، بعد أن كانت في حدود 17.9% في الربع الثاني من السنة ذاتها و17.4% خلال الربع الأخير من العام الماضي.

ويثير هذا "التصاعد المتواصل لنسب البطالة مخاوف الشباب التونسي من تفاقم مشاكلهم الاجتماعية خاصة في ظل الارتفاع المستمر للأسعار وتهاوي المقدرة الشرائية للأسر وتنامي معدلات الفقر إلى أكثر من 20% والفقر المدقع إلى 6.9% سنة 2021".

واعتبر عضو المكتب التنفيذي لإتحاد أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل، حسيب العبيدي، في تصريح لـ"سبوتنيك"، أن "ارتفاع معدلات البطالة لم يكن بالأمر المفاجئ، وإنما كان نتيجة متوقعة لسياسات التهميش التي اعتمدتها السلطات التونسية منذ الثورة إلى اليوم".

وأضاف أن "جميع الحكومات تجاهلت ملف التشغيل ولم تتعامل معه كأزمة هيكلية، معتبرا أن غياب الإرادة السياسية في حلحلة هذا الملف أسهم في تفاقمه".

© Sputnik . Abdul Kader Albay

ويرى العبيدي أن "تواصل اعتماد آليات التشغيل الهش لن تثمر إلا عن مزيد استفحال البطالة وإهدار المال العام، داعيا الحكومة الحالية إلى اعتماد برنامج واضح يخرج ملف التشغيل من دائرة التجاذبات السياسية ويطرحه كمشكل وطني بطريقة عملية وعلمية".

وتابع "إذا أرادت هذه الحكومة أن تصنع الفارق فإنه يجب عليها إطلاق مبادرة لمقاومة ظاهرة التصحر الصناعي، وإيجاد حل للمصانع التي أغلقت بسبب الإفلاس بشكل يفتح المجال لتوسيع سوق الشغل".

وشدد على أن "الخطوة الثانية لحل معضلة البطالة أو التخفيف من وطأتها هو التدقيق في ملف الانتدابات العمومية الذي يشوبه الفساد، مشيرا إلى أن تلغيم المؤسسات العمومية بموظفين وفقا للولاءات السياسية".

وقال العبيدي: إن "المعطلين عن العمل ليسوا متعصبين وأن لهم رغبة في مد أيديهم للحوار مع الحكومة لإنهاء معاناتهم، داعيا إلى تفعيل القانون عدد 38 الذي اعتبره انصافا لفئة كبيرة من شباب تونس ممن همشتهم منظومة الحكم بقيادة حركة النهضة".

كما دعا العبيدي، إلى إعادة تفعيل دور الدولة الاقتصادي في المناطق الداخلية التي همشتها جميع الحكومات بعد الثورة وحتى قبلها، قائلا "لماذا لا تفتح المنطقة الصناعية في جهة المتلوي (محافظة قفصة) المغلقة منذ سنوات؟ ولماذا لا يفعل صندوق الجهات المخصص لدفع التنمية في المحافظات المحرومة؟

اقتصاد مكبل

بدوره، قال الخبير في التنمية، صغيّر الصالحي، لـ"سبوتنيك": إن "الأرقام التي كشف عنها المعهد الوطني للإحصاء هي أرقام بعيدة عن الحقيقة، مضيفا أن عدد التونسيين العاطلين عن العمل أكثر مما تم الإعلان عنه بكثير".

وأوضح أن المعهد يعتمد في إحصاءاته على معايير غير منطقية، "فمن يشتغل يوما واحدا خلال أسبوعين يصنّف على أنه عامل، في حين أن العديد من العاطلين عن العمل يلجؤون إلى الأعمال غير اليومية لتحصيل بعض المال".

© Sputnik . Nour Molhem

ويفسر الصالحي "ارتفاع معدلات البطالة بعوامل ظرفية لخصها أولا في أزمة الكوفيد التي تسببت في غلق العديد من المؤسسات الاقتصادية أو دخولها مرحلة الإفلاس، وثانيا في الأزمة السياسية وحالة الضبابية التي تعيشها البلاد".

وأضاف أن "العوامل الثانية هيكلية، تتمثل بالأساس في وجود اقتصاد مكبّل غير قادر على انتاج الثروة وتحقيق التنمية، وهو ما انعكس سلبا على الفئات الاجتماعية الهشة من خلال ارتفاع معدلات الفقر والبطالة".

ويرى الصالحي أن "المقاربة التنموية التي تعتمدها تونس هي مقاربة قديمة تعود إلى قرون خلت، وتقوم على استفادة الفئات القريبة من السلطة من الريع الاقتصادي وحماية الفئات النافذة من خلال تمتيعها بالامتيازات وتغييب المنافسة في مجالها".

وقال إن "هذه المقاربة أدت إلى خلق اقتصاد غير منافس وعاجز عن انتاج الثروة وعن تمكين الدولة من تغطية نفقاتها، وهو ما يضطرها إلى البحث عن مصادر أخرى للتمويل مثل الزيادة الضرائب على الناس أو اللجوء إلى الهبات والقروض الخارجية".

وحذر الصالحي من أن "تجاهل مسألة ارتفاع منسوب البطالة قد يؤدي إلى تفجر حالة الغضب الاجتماعي وخلق أزمة سياسية تضاف إلى الأزمة المالية الخانقة".

وكشفت الأرقام الرسمية عن تسجيل الاقتصاد التونسي نموا ضعيفا جدا في حدود 0.3 بالمئة، فضلا عن توقعات بتسجيل عجز في ميزانية الدولة للسنة الحالية بـ 9.79 مليار دينار (3.42 مليارات دولار).

0 تعليق