مطالبات أجور عن شهر واحد مرة بـ 15.8 مليون جنيه ومرة أخرى بـ17 مليون جنيه.. أين الحقيقة؟
لماذا تم تقسيم التحويلات المالية على حسابين مصرفيين مختلفين أحدهما تلقى 7.66 مليون والآخر 10 ملايين جنيه؟!
فى شركة بحجم «القناة لتوزيع الكهرباء»، يمتد نطاق عملها عبر قطاعات واسعة وتغطى شبكاتها عدة محافظات لتخدم ملايين المشتركين يوميًا، لا يمكن التغاضى عن ملف العمالة. فالاحتياج إلى العمالة الفنية والإدارية والخدمية أمر طبيعى ومشروع لضمان انتظام المرفق الحيوي، لكن السؤال الذى يفرض نفسه يتعلق بالمسار الذى اتُّخذ لتوفير هذه العمالة، وطبيعة المهام التى أوكلت إليها، والجهة التى تولت الإشراف المباشر عليها، وصولًا إلى المقابل المالى المنصرف نظير ذلك.
ففى المنظومة المعتمدة للشركة القابضة لكهرباء مصر، تُدار الاحتياجات الوظيفية والتعيينات عبر أطر وضوابط محددة تشمل المسابقات وإعلانات التعاقد المباشر. غير أنه فى عام 2023، برز اسم شركة خاصة داخل هذا الملف هى «ظل الجنوب لخدمات النظافة»، إثر تعاقد أثار تساؤلات قانونية وفنية واقتصادية حول طبيعة الخدمة المباعة وما جرى تنفيذه فعليًا على الأرض.
تبدأ القصة من قرار اللجنة العليا للبت بشركة القناة لتوزيع الكهرباء، فى جلستها رقم 64 المنعقدة بتاريخ 25 فبراير 2023، والتى وافقت على التعاقد مع شركة «ظل الجنوب». ومن حيث المبدأ، لا يمثل التعاقد مع شركات القطاع الخاص لمساندة المرافق العامة أى مخالفة قانونية، طالما تم فى إطار النماذج المعتمدة لإسناد الخدمات المتكاملة.
لكن الفارق الجوهرى والحد الفاصل بين إسناد خدمة قانونى وبين «توريد العمالة» المخالف يكمن فى طريقة التنفيذ؛ فهل اشترت شركة الكهرباء خدمة نظافة متكاملة تتحمل الشركة الخاصة مسؤوليتها وإدارتها ومخرجاتها؟ أم تحول التعاقد عمليًا إلى جلب أفراد ووُضعوا تحت الإشراف المباشر لمسؤولى شركة الكهرباء ليؤدوا أعمالًا يومية داخل مقراتها؟
عند مراجعة التوصيف الوظيفى للعمالة المسجلة بكشوف التعاقد نجد أن الأوراق تشير إلى أن أعداد العمالة العارضة المشار إليها بلغت نحو 3 آلاف عامل شهريًا، غير أن المفارقة تكمن فى تسجيل نحو 1103 عمال بمسمى وظيفى هو «مُدخل بيانات». وهنا تبرز علامات الاستفهام: كيف يتسع عقد مُبرم مع شركة مُتخصصة بحسب اسمها فى «خدمات النظافة» ليتضمن مئات الموظفين فى وظائف كتابية كإدخال البيانات؟ ومن الجهة التى حددت الاحتياج الفعلى لهذه الكوادر وتولت توجيهها ومراقبة حضورها وانصرافها يوميًا داخل قطاعات الشركة؟
ولا تتوقف علامات الاستفهام عند التوصيف الوظيفي، بل تمتد إلى المطالبات المالية والتحويلات البنكية الصادرة عن هذا التعاقد. ففى أغسطس 2024، كشفت التقارير والمستندات المالية عن وجود تباين فى أرقام المطالبات الخاصة بشهر يوليو 2024 وحده؛ حيث تحدثت مطالبات عن مبلغ يتجاوز 17 مليون جنيه
بينما أشارت مستندات أخرى إلى رقم يقارب 15.8 مليون جنيه لنفس الشهر. كما أظهرت الخطابات الموجهة للبنك طلب تحويل المبالغ على حسابين مصرفيين مختلفين (أحدهما بقيمة 7.66 مليون جنيه والآخر بقيمة 10 ملايين جنيه). وتطرح هذه التقسيمات المالية أسئلة مشروعة تتطلب كشف حساب موثق يوضح أصل الفواتير، والمبالغ التى صُرِفت بالفعل من مال الشركة العام، فى مقابل الأجور الفعلية التى وصلت إلى أيدى العمال.
وعلى الجانب الآخر، تكتمل أبعاد الملف بشهادات ميدانية لبعض العاملين، كما حدث فى قطاع البحر الأحمر التابع للشركة، حيث أشار عمال إلى عملهم بنظام اليومية داخل مقرات الكهرباء منذ عام 2018، قبل أن يُطلب منهم فى عام 2022 التوقيع على عقود مع شركة «ظل الجنوب»، مع استمرارهم فى أداء ذات المهام اليومية وتحت الإشراف المباشر لرؤسائهم بشركة الكهرباء، وهى النزاعات التى انتقلت لأروقة مكاتب العمل والمحاكم العمالية للبت فى طبيعة العلاقة التعاقدية الفعالية.
وحين تُوضع هذه الواقعة أمام نصوص القانون، يظهر الفارق بين نص المادة 16 من قانون العمل رقم 12 لسنة 2003 التى تحظر صراحة تشغيل العمال عن طريق متعهد أو مقاول توريد عمالة، وبين المادة 79 من القانون ذاته والتى تجيز لصاحب العمل أن يعهد إلى طرف آخر بتأدية عمل أو خدمة متكاملة. فالعبرة فى تكييف العقود لا تكون فقط بالمسّمى المكتوب على صدر الورقة، بل بطبيعة العلاقة الواقعية: من يصدر التعليمات اليومية؟ من يدير جدول العمل؟ ومن يراقب الحضور والانصراف وتحت إشراف من تُنفذ المهام؟
ولا تتوقف علاقة «ظل الجنوب» بشركة القناة لتوزيع الكهرباء عند حدود شركة خاصة مهمتها النظافة أو أجور عمالة عارضة، بل تتصل بحدود إدارة المال العام والالتزام بالضوابط القانونية المنظمة للتعاقدات الحكومية. وحسم هذا الملف لا يحتاج إلى روايات متبادلة، بل يتطلب وضع العقد الأصلى وكراسة الشروط أمام كشوف العمال وسجلات الحضور والانصراف، ومطابقة المطالبات المالية بالتحويلات البنكية وكشوف التأمينات؛ ليتبين للرأى العام والجهات الرقابية بدقة: ما الذى حصلت عليه شركة الكهرباء مقابل هذه الملايين.. ومن الذى نفّذ الخدمة على أرض الواقع؟.. وهل هناك شبهة إهدار مال عام أم لا؟
- مركز شباب المدينة «ب» بالمنيا ينفذ مخيمًا كشفيًا لتدريب القادة وتأهيل الشباب والفتيات
- مبادرة "يوم للأهالي" لشراء المانجا بأسعار مخفصة بدمنهور
- رؤساء أركان السعودية وباكستان وتركيا يؤكدون بقوة التزامهم بالدفاع الجماعي
- منتخب الجزائر يفوز على زامبيا 3-1 ويتصدر مجموعته في تصفيات أمم افريقيا
- مدبولي: نرفض بشكل قاطع أي محاولة لتهجير الشعب الفلسطيني

















0 تعليق