روعة قاسم
تونس ـ «القدس العربي»: منذ أن عرف الإنسان الرسم، لم يكن الفن مجرد بحث عن الجمال أو محاولة لمحاكاة الواقع، بل كان أيضا وسيلة لفهم العالم من حوله والاحتفاظ بصورة منه للأجيال القادمة. فالفن، في جوهره، هو إحدى الطرق التي حاول بها الإنسان مقاومة زوال الأشياء، وتثبيت اللحظة قبل أن تتحول إلى ماضٍ لا يمكن استعادته. وكلما تغيرت المدن وتبدلت ملامحها، ازدادت الحاجة إلى الذاكرة التي تحفظ صورتها القديمة، بما فيها من تفاصيل قد تبدو في لحظتها عادية وعابرة، لكنها تصبح مع مرور الزمن جزءا من تاريخ المكان.
ولأن الصورة قادرة على اختزال زمن بأكمله في مشهد واحد، ظل الفنان شاهدا على عصره، يلتقط ما قد لا تلتقطه كتب التاريخ، ويحفظ للأمكنة ملامحها وللحياة اليومية تفاصيلها. وبين الذاكرة والزمان والمكان، تتشكل علاقة خاصة بين المدينة والفن، تجعل من بعض الأعمال الفنية وثائق صامتة عن عوالم تغيرت أو اختفت، وعن حياة لم يعد بالإمكان استعادتها إلا من خلال ما تركته يد الفنان.
وليست المدن مجرد أبنية وشوارع وأبواب، فبعض المدن تتحول مع الزمن إلى ذاكرة حية، تحمل في تفاصيلها ملامح الذين عاشوا فيها، وأصواتهم وعاداتهم وملابسهم وأمكنتهم التي قد تختفي يوما من الواقع، لكنها تبقى حاضرة في الفن. ولعل تجربة الفنان التشكيلي التونسي هادي كاهية (1932-2013) تنتمي إلى هذا النوع من الفن الذي لا يكتفي برسم المكان، وإنما يعمل على إنقاذه من النسيان.
إعادة اعتبار
ويستعيد قصر خير الدين بالمدينة العتيقة بتونس تجربة هذا المبدع من خلال معرض تكريمي يسلط الضوء على مسيرة فنان عاش بعيدا عن الأضواء، ولم يحظ خلال حياته بالشهرة الجماهيرية التي حظي بها بعض معاصريه. غير أن عودته اليوم إلى الواجهة تكشف عن قيمة تجربة كرست جانبا كبيرا منها لتوثيق المدينة، وخاصة مدينة تونس العتيقة، بما تحمله من تفاصيل معمارية وإنسانية وذاكرة اجتماعية.
لقد كانت المدينة العتيقة الموضوع الأكثر حضورا في أعمال كاهية. ولم يتعامل معها باعتبارها مجرد خلفية للوحة، بل جعل منها موضوعا قائما بذاته. كان يتنقل بين أزقتها وشوارعها، يرصد واجهاتها وأبوابها ومآذنها ومقاماتها، ويعيد رسم المكان الواحد أكثر من مرة، ولكن من زوايا مختلفة، بما يسمح باكتشاف تفاصيل قد لا ينتبه إليها المار العادي.
وفي لوحاته تظهر المدينة العتيقة كما عرفها سكانها وزوارها أي شوارع ضيقة، وأزقة متعرجة، ومبان عتيقة، وشخصيات تنتمي إلى المكان. ويظهر الرجل المسن أمام «تُربة الباي»، كما تظهر النساء بـ«السفساري» (اللحاف التقليدي الأبيض الحريري الذي كانت تتحجب به المرأة التونسية في الماضي القريب والبعيد عندما تغادر بيتها)، لتتحول اللوحة إلى وثيقة بصرية عن مجتمع ومرحلة تاريخية.
ولم تكن أهمية هذه الأعمال في الموضوع وحده، وإنما في الطريقة التي عالج بها الفنان الضوء. فمع أنه ينتمي أساسا إلى الأسلوب التصويري، فإنه اقترب في بعض أعماله من الحس الانطباعي من خلال اهتمامه بتغيرات الضوء وتأثيرها في الألوان والأشكال. ولذلك تبدو المدينة في لوحاته مختلفة باختلاف ساعات النهار. فالشارع نفسه يمكن أن يتحول بتغير الضوء من فضاء هادئ إلى فضاء نابض بالحركة.
كان كاهية يرسم المدينة وكأنها كائن حي، ومن هنا اكتسبت أعماله قيمة تتجاوز الجانب التشكيلي لتصبح نوعا من تسجيل الذاكرة. فالمدينة التي يرسمها ليست مدينة هندسية فقط، وإنما مدينة لها روح، تتجسد في سكانها وممراتها ومقاهيها وألبستها ومعالمها.
غير أن اهتمامه لم يتوقف عند مدينة تونس العتيقة، فقد امتد إلى مناطق أخرى من البلاد، وكأنه كان يقوم برحلة بصرية عبر الذاكرة التونسية. فرسم آثار سبيطلة، والحصن القديم بحلق الوادي وقناته، وكاتدرائية قرطاج، ومدرج الجم، وحصن الحمامات، والموانئ القرطاجية البونية، فضلا عن شوارع وأزقة سيدي بوسعيد.
وهنا تتحول أعماله إلى خريطة فنية لتونس، تجمع بين طبقات تاريخية مختلفة. ففي لوحة واحدة يمكن أن يستحضر الماضي القرطاجي، وفي أخرى يلتقط ملامح المدينة الإسلامية، وفي ثالثة يوثق معلما من الفترة الحديثة. وكان الرابط بينها جميعا هو المكان التونسي بوصفه حاملا للذاكرة.
توثيق الذاكرة
ولعل الأهم هو أن الفنان الراحل هادي كاهية لم يكتف برسم المعالم التي كانت لا تزال قائمة، وإنما اهتم أيضا بالأماكن التي اختفت بفعل تأثيرات الزمن. فقد أعاد بريشته رصيف حلق الوادي وساحة باب سويقة في مظهريهما القديمين، وبذلك أصبحت اللوحة وسيلة لاستعادة ما فقدته المدينة بفعل التغير العمراني.
وهذه الوظيفة التوثيقية للفن تكتسب أهمية خاصة في المدن القديمة، حيث يمكن لعملية الهدم أو إعادة البناء أن تمحو في وقت قصير تفاصيل احتاجت قرونا لتتشكل. وفي هذه الحالة تصبح اللوحة التشكيلية سجلا بصريا يسمح للأجيال اللاحقة برؤية أماكن لم تعد موجودة ويتحدث عنها كبار السن بكثير من الحسرة والأسى.
ولم يُغفل الفنان الحياة اليومية للناس، حيث رسم تلاميذ المدارس بالألوان المائية على الورق. وهي أعمال تستعيد مشهدا عاديا من الحياة التونسية، لكنه يحمل بالنسبة إلى أجيال كاملة ذاكرة الطفولة والمدرسة والحي.
أما مسيرته الفنية فقد تشكلت بعيدا عن الضجيج، حيث بدأ تعلم الرسم على يد الفنان اليوناني روبس، ثم وجد التشجيع من الفنان التونسي الكبير نور الدين خياشي. وعلى امتداد نحو ثلاثة عقود، بين 1979 و2008، عرض أعماله في عدد من القاعات الفنية التي تزخر بها تونس.
ولعل غياب التواريخ عن أغلب لوحاته، باستثناء حالات قليلة، يعكس جانبا من شخصية هذا الفنان التشكيلي التونسي الراحل وخياراته. فهو لم يكن معنيا فقط بتسجيل تاريخ اللوحة، وإنما كان معنيا بالمكان نفسه، بما يختزنه من زمن مفتوح على الماضي والحاضر وحتى المستقبل.
واليوم، حين تعود أعمال هادي كاهية إلى قاعات العرض، لا يعود الفنان وحده إلى الواجهة، وإنما تعود معه أجزاء من تونس العريقة التي تغيرت ملامحها أو اختفت بعض تفاصيلها. فلوحاته تمنح المشاهد فرصة لرؤية المدينة العتيقة للعاصمة ومدن تونس الأخرى ومعالمها من عين فنان اختار أن يعيش بعيدا عن الأضواء، وأن يجعل من اللون والضوء وسيلة لحفظ الذاكرة.
وبذلك لا يكون هادي كاهية قد رسم تونس فحسب، بل ترك سجلا بصريا هاما لجزء من البلاد التي كانت، والتي ما زالت، وهي التي لم تعد موجودة إلا في الذاكرة الحية واللوحة.
- المغرب… وقفات بعدة مدن دعما لـ”الصمود الفلسطيني” ورفضا للتطبيع
- طهران: تصريحات روته اعتراف بمشاركة أوروبا في الحرب ضد إيران
- قمة ترامب وشي في واشنطن: احتفاليات كبرى ونتائج محدودة
- النائب الجمهوري توماس ماسي: “عقاب” ترامب سيأتي يوم الانتخابات
- قدم.. المغرب والجزائر يحققان انطلاقة قوية ومصر تتعثر أمام أنغولا


















0 تعليق